حسين بن فخر الدين ( ابن معن )

273

التمييز

العزم على الثبات ، إذ من مخالطة الناس وهن العزم وشتات الهمّ وضعف النيّة . والخلوة تقلّ الأفكار في عاجل حظوظ النّفس لفقد مشاهدتها بالأبصار فإنّ العين باب القلب منها تدخل آفاته ، وعندها توجد شهواته ولذاته . وقال لقمان : من كثرت لحظاته دامت حسراته ، شعر « 1 » ( الكامل ) وإنك ان أرسلت طرفك رائدا لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كلّه أنت قادر عليه ولا عن بعضه أنت صابر والخلوة تجلب أفكار الآخرة وتجدّد الاهتمام بها ، وتنسي ذكر العباد ، وتواصل ذكر المعبود ، وهي أكبر العوافي . وفي مخالطة النّاس قوة الطّلب والحرص على عاجل الدّنيا لما يعاين من إقبال أهلها عليها ، وفيه الفتور عن الخدمة بالنظر إلى أهل الغفلة . والملل للطاعة بمجالسة أهل البطالة ، ونقصان حلاوة المعاجلة ، وذهاب نور العلم ، وسرعة خروج الوجد بالفهم لاستماع كلام الجهلة . وجاء في الحديث « أخوف ما أخوف على أمتي ضعف اليقين » « 2 » ، لأن أصل الرغبة في الدنيا وإيثارها على الآخرة ضعف اليقين . / 129 ب / وإنّما يكون من رؤية أهل الغفلة ومخالطة أرباب البطالة والقسوة . وقال رجل لإبراهيم بن أدهم « 3 » : أوصني . قال : إياك والنّاس ، ولا بد من الناس وليس كل النّاس بالنّاس . وقال بعضهم ، شعر « 4 » ( الطويل ) أرى الناس أمثال الكواكب كثرة وما كل ما يرمي به الأفق ثاقب بلى كلّهم مثل الزمان تلوّنا إذا سرّ منهم جانب ساء جانب

--> ( 1 ) روى هذين البيتين أبو الغصن الاعرابي عن جارية ، عيون الأخبار م 4 ج 10 / 22 ؛ بهجة المجالس 2 / 21 . ( 2 ) جمع الجوامع 28 . ( 3 ) سبقت ترجمته . ( 4 ) قائل هذه الأبيات أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد الشاشي ، خاص الخاص ، ص 196 .